سيد قطب
3745
في ظلال القرآن
عليه وسلم - فقلت : يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قالت : كنا نعد له سواكه وطهوره ، فيبعثه اللّه كما شاء أن يبعثه من الليل ، فيتسوك ، ثم يتوضأ ، ثم يصلي ثمان ركعات لا يجلس فيهن ، إلا عند الثامنة ، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو ، ثم ينهض وما يسلم ، ثم يقوم ليصلي التاسعة ، ثم يقعد فيذكر اللّه وحده ، ثم يدعوه ، ثم يسلم تسليما يسمعنا . ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم ، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني ، فلما أسن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأخذ اللحم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم ، فتلك تسع يا بني . وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وآله وسلم - إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها . وكان إذا شغله عن قيام الليل نوم أو وجع أو مرض صلى من نهار اثنتي عشرة ركعة . ولا أعلم نبي اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قرأ القرآن كله في ليلة حتى أصبح ، ولا صام شهرا كاملا غير رمضان . . . » « 1 » وكان هذا الإعداد للقول الثقيل الذي سينزله اللّه عليه . . « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » . . هو هذا القرآن وما وراءه من التكليف . . والقرآن في مبناه ليس ثقيلا فهو ميسر للذكر . ولكنه ثقيل في ميزان الحق ، ثقيل في أثره في القلب : « لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ » فأنزله اللّه على قلب أثبت من الجبل يتلقاه . . وإن تلقي هذا الفيض من النور والمعرفة واستيعابه ، لثقيل ، يحتاج إلى استعداد طويل . وإن التعامل مع الحقائق الكونية الكبرى المجردة ، لثقيل ، يحتاج إلى استعداد طويل . وإن الاتصال بالملإ الأعلى وبروح الوجود وأرواح الخلائق الحية والجامدة على النحو الذي تهيأ لرسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لثقيل ، يحتاج إلى استعداد طويل . وإن الاستقامة على هذا الأمر بلا تردد ولا ارتياب ، ولا تلفت هنا أو هناك وراء الهواتف والجواذب والمعوقات ، لثقيل ، يحتاج إلى استعداد طويل . وإن قيام الليل والناس نيام ، والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفسافها ؛ والاتصال باللّه ، وتلقي فيضه ونوره ، والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه ، وترتيل القرآن والكون ساكن ، وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة ؛ واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي . . إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل ، والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل ! وينير القلب في الطريق الشاق الطويل ، ويعصمه من وسوسة الشيطان ، ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير . « إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا » . . « ناشِئَةَ اللَّيْلِ » هي ما ينشأ منه بعد العشاء ؛ والآية تقول : « إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً » : أي أجهد للبدن ، « وَأَقْوَمُ قِيلًا » : أي أثبت في الخير ( كما قال مجاهد ) فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش ، بعد كد النهار ، أشد وطأ وأجهد للبدن ؛ ولكنها إعلان لسيطرة الروح ، واستجابة لدعوة اللّه ، وإيثار للأنس به ، ومن ثم
--> ( 1 ) وأخرجه مسلم من حديث قتادة . . وهناك أحاديث كثيرة وأقوال متعددة في صلاة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بالليل ووتره ، صحت فيها كيفيات متعددة لهذه الصلاة ( يراجع زاد المعاد لابن القيم في هديه صلى اللّه عليه وسلم في قيام الليل ) .